يرى صدقي عابدين، الخبير والمحلل المصري الذي ينشر مقالاته ومواده في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الدبلوماسية المصرية توظف حربًا تدور خارج حدودها لخدمة مصالحها الخاصة وتقليل تداعياتها الداخلية، بينما يذهب تحليل منشور في موقع جلافكوم إلى أن هذا النهج يحول الحياد إلى أداة للتطبيع غير المعلن مع التوسع الروسي في أوكرانيا، بما قد يخلق سابقة خطيرة أمام توسعات عسكرية مستقبلية.


ونشر جلافكوم المقال التحليلي الذي يناقش مدى حيادية الموقف المصري تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، في ضوء مقال عابدين المنشور على موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بعنوان «إمكانات تجميد الحرب الروسية الأوكرانية». وينتقد المقال ما يعتبره ميلًا في بعض أطروحات المحلل المصري إلى ترديد روايات تتقاطع مع الخطاب الروسي، رغم محاولة تقديم الحرب من منظور يبدو محايدًا.


كيف تنظر القاهرة إلى أسباب الحرب الروسية الأوكرانية؟


يطرح عابدين عدة سيناريوهات لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، سواء في المستقبل القريب أو المنظور أو البعيد، مشيرًا إلى أن انتهاء الحرب لا يستبعد إمكانية تجددها ما دامت الأسباب الجذرية لاندلاعها دون حل. ويرى أن المعضلة الأساسية تكمن في امتلاك كل طرف تصورًا مختلفًا لجذور الصراع.


وينقل المقال عن عابدين قوله إن الرؤية الروسية تعتبر أن هناك مؤامرة غربية ضد روسيا، تُستخدم فيها أوكرانيا باعتبارها خط مواجهة أمامي، كما يرى أن السكان الأوكرانيين من أصول روسية تعرضوا للاستهداف على مدى سنوات، وأن النظام الأوكراني اختار العداء لكل ما هو روسي وأعاد إحياء النازية.


ويضيف عابدين، وفقًا للمقال، أن هذه التطورات لا يمكن التسامح معها، خصوصًا مع رفض الولايات المتحدة تقديم ضمانات أمنية لروسيا أو التعهد بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، إلى جانب ما يعتبره عدم الوفاء بالتعهدات السابقة المتعلقة بتوسع الحلف شرقًا.


وبحسب هذا التصور، تصر روسيا على ضم إقليم دونباس بأكمله، بينما يتعين على أوكرانيا، إذا أرادت إنهاء الحرب، سحب قواتها من بقية المنطقة وتغيير سياساتها واستبدال النخبة الحاكمة في كييف. ويرى عابدين أن هذه الشروط تبدو مستحيلة التنفيذ، إذ لن يستطيع أي مسؤول أوكراني قبولها خشية اتهامه بالخيانة.


في المقابل، تطالب أوكرانيا بانسحاب كامل للقوات الروسية من جميع أراضيها، بما فيها شبه جزيرة القرم، كما تدعو إلى زيادة الدعم الغربي وفرض مزيد من العقوبات على روسيا.


وينتقد المقال غياب أي عرض مماثل لأسباب الحرب من وجهة النظر الأوكرانية، متسائلًا عن معنى الحديث عن الحياد إذا كانت الرواية الروسية تُطرح بالتفصيل بينما تغيب عنها دوافع الجانب الأوكراني.


ويتساءل الكاتب أيضًا عن سبب عدم تناول ما يسميه «الانتقامية الجيوسياسية» لموسكو، والطابع الإمبراطوري للدولة الروسية، ومحاولات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تدمير الدولة الأوكرانية والأوكرانيين أنفسهم، فضلًا عن مساعيه لإعادة إحياء الاتحاد السوفيتي بالقوة عبر إعادة الدول التي سبق أن احتلتها موسكو إلى دائرة نفوذها.


الحياد المصري بين الحسابات الجيوسياسية والخطاب الروسي


ويعتبر المقال أن استنتاجات الخبير المصري تكشف بدورها عن موقفه من طبيعة الحرب. وينقل عنه تساؤله عما إذا كانت روسيا قد انتقلت خلال «عمليتها العسكرية» من مجرد «تأديب من تعتبرهم معتدين» إلى عملية انتقامية أدت إلى ردود فعل مضادة، خصوصًا في ظل دعوات بعض الأطراف الغربية إلى تحقيق هزيمة استراتيجية لروسيا.


ويطرح عابدين، وفقًا للنص، سؤالًا آخر حول ما إذا كانت روسيا ستقبل مثل هذه الهزيمة، مهما كان الثمن.


ويرى المقال أن هذا المنطق يصور بداية حرب دامية وغير مبررة شنها بوتين باعتبارها مجرد «تأديب» لمن تعتبرهم روسيا معتدين، كما يصور الحرب الروسية الأوكرانية باعتبارها «عملية انتقامية أثارت ردود فعل مضادة».


ويعتبر الكاتب أن هذا النوع من المنطق يعكس تغلغلًا عميقًا للشعارات الدعائية الروسية في المجالين الإعلامي والخبراتي بدول الجنوب العالمي، حيث تُبذل محاولات متكررة لتقديم العدوان الروسي في صورة «دفاع مشروع» أو «مواجهة مع حلف الناتو».


ويشير المقال إلى أن جزءًا مهمًا من النخبة الفكرية المصرية والعربية نشأ تقليديًا على خطاب مناهض للاستعمار وعلى قدر من الشك تجاه السياسات الغربية، وهو ما تستغله روسيا بمهارة، وفقًا للكاتب، عبر التلاعب بهذه المشاعر وقلب العلاقة بين الأسباب والنتائج.


ويصف الكاتب قلب الواقع، بحيث يُنظر إلى الغزو الروسي الشامل وغير المبرر وحق أوكرانيا السيادي في الدفاع عن نفسها والمساعدات الدولية المقدمة إلى ضحية العدوان باعتبارها «أفعالًا عدوانية من الغرب» اضطرت موسكو إلى «الرد عليها»، بأنه أسلوب كلاسيكي من أساليب حرب المعلومات.


وبدلًا من تحليل انتهاك القانون الدولي والسيادة والجرائم التي يقول الكاتب، إن القوات الروسية ارتكبتها، يركز بعض الخبراء، بحسب المقال، على الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى، بما يؤدي عمليًا إلى تهميش أوكرانيا وتجريدها من صفتها كطرف فاعل، ومن ثم تبرير حرب مدمرة ترتبط برغبة روسيا في الحفاظ على مكانتها الإمبراطورية بأي ثمن.


ويواصل عابدين طرحه بالقول إن الحرب، التي دخلت عامها الخامس، تمثل عرضًا أو «جرحًا نازفًا» للتحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأربعة الماضية. ويرى أن هذه التحولات خلفت جروحًا وندوبًا لدى بعض الأطراف، بينما غذت جنون العظمة لدى أطراف أخرى، وصولًا إلى إعلان «نهاية التاريخ» و«الانتصار النهائي للرأسمالية».


ويربط عابدين ذلك بما يعتبره تصرف الغرب وقادته كما لو أنهم يهيمنون وحدهم على العالم، متسائلًا عما إذا كانت الحرب ستستمر إلى أن يُعاد تشكيل النظام الدولي، أم ستتحول إلى درس قاسٍ يمهد لنظام دولي أكثر عدلًا، لا ينصف الأقوياء وحدهم وإنما يحمي الضعفاء أيضًا.


ويرى المقال أن هذا الطرح يعكس الرؤية النقدية التقليدية لدول الجنوب العالمي تجاه أزمة بنية الأمن الدولي، حيث لا تُنظر إلى الحرب باعتبارها صراعًا إقليميًا منفصلًا، بل باعتبارها نتيجة طبيعية لاختلال نظام عالمي أحادي القطبية.


ويستحضر الكاتب مفهوم «نهاية التاريخ» الذي طرحه فرانسيس فوكوياما، والذي سجل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وفقًا للمقال، انتصار الرأسمالية الليبرالية أيديولوجيًا، وأوجد وهمًا بالهيمنة المطلقة لدى النخب الغربية.


ويعتبر المقال أن عقودًا طويلة من عدم التوازن الجيوسياسي وهيمنة الولايات المتحدة وحدها دفعت دولًا سلطوية مثل الصين وروسيا إلى الاعتقاد بأن مصالحها يجري تجاهلها وأن نفوذها الجيوسياسي يتعرض للحد بصورة مصطنعة، وهو ما دفعها في النهاية إلى تشكيل تحالف تنقيحي يهدف إلى تفكيك النظام العالمي أحادي القطبية الحالي.


ويظهر الصراع الروسي الأوكراني، بالنسبة إلى هذه القوى الجيوسياسية التنقيحية، باعتباره تعبيرًا عن مرحلة انتقالية من نظام قديم لم يعد يعمل إلى نظام جديد لا تزال ملامحه قيد التشكل.


ويخلص المقال، في تحليله لمعضلة عابدين بشأن استمرار الحرب إلى حين إصلاح النظام الدولي بصورة كاملة أو تحولها إلى درس يؤدي إلى بناء نظام أكثر عدلًا، إلى أن السيناريوهين يمثلان عمليتين مترابطتين وليسا خيارين منفصلين.


ويستند الكاتب إلى تاريخ العلاقات الدولية ليقول إن قواعد اللعبة العالمية والهياكل الدولية، من نظام وستفاليا إلى مؤتمر فيينا وعصبة الأمم والأمم المتحدة، لم تتغير في أوقات السلم بصورة تطورية أو دبلوماسية بحتة، بل جاءت دائمًا نتيجة أزمات كبرى وصدامات عسكرية فرضت توازنًا جديدًا للقوى.


ومن هذا المنظور، يرى المقال أن الحرب الروسية الأوكرانية أصبحت، للأسف، أداة لمحاولة إعادة تشكيل النظام الدولي بالقوة، إذ تحدد العمليات العسكرية والمواجهة الاقتصادية حدود نفوذ أقطاب القوة المستقبلية.


الحرب الروسية الأوكرانية واختبار «حياد» مصر


ينتقد الكاتب آمال المحلل المصري في بناء «نظام أكثر عدلًا يحمي الضعفاء»، معتبرًا أنها آمال مثالية تتعارض مع المنطق القاسي للجغرافيا السياسية الحديثة.


ويرى المقال أن الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب، الذي تسعى الصين وروسيا حاليًا إلى فرضه على العالم، لا يضمن تلقائيًا منح الدول الضعيفة حقوقًا أكبر، بل قد يؤدي إلى العكس من خلال تعزيز مواقع القوى الإقليمية وتقليص فاعلية القانون الدولي.


وبحسب هذا الطرح، فإن إضعاف الولايات المتحدة أو تعزيز نفوذ الصين وروسيا لن يحقق لمصر مكاسب، بل قد يؤدي على الأرجح إلى خسائر.


وعندما تُصاب مؤسسات عالمية مثل الأمم المتحدة بالشلل، يعود العالم، وفقًا للمقال، إلى سياسة القوة الغاشمة، حيث تتحول أمنيات الدول الصغيرة إلى أوراق تفاوض في صراع القوى الكبرى. ولا تكمن الرسالة القاسية للحرب الروسية الأوكرانية، بحسب الكاتب، في أن الأقوياء سيقررون فجأة رعاية الضعفاء طوعًا، بل في أن «مظلة» الأمن القديمة لم تعد توفر الحماية، وأن كل دولة تضطر إلى البحث عن أشكال جديدة للبقاء والتحالف والتسلح.


وفي المقابل، يرى عابدين أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية لا تقتصر على طرفيها المباشرين أو داعميهما، مشيرًا إلى احتمال، ولو كان محدودًا، لتدخل أطراف أخرى بصورة مباشرة، سواء تحت ذريعة حوادث حدودية هنا وهناك، أو نتيجة الهجمات البحرية التي انتشرت مؤخرًا، أو استنادًا إلى اتفاقيات قائمة.


ويدعو عابدين إلى محاسبة الأطراف عن التداعيات السلبية للحرب، التي قد تمتد إلى قضايا عديدة، بينها انتشار الأسلحة النووية. ويرى أن ذلك يمثل رسالة مهمة في عالم منشغل بتعزيز ترساناته العسكرية لتعويض الأسلحة المستخدمة في الحروب القائمة والاستعداد لحروب جديدة، بينما يبقى غير مكترث بملايين الأشخاص الذين يعانون الجوع، فضلًا عن آلاف وربما ملايين القتلى والجرحى.


ويؤكد عابدين أن أي جهود لوقف هذه الحرب وغيرها من الحروب المماثلة، حتى لو جاءت في صورة وقف لإطلاق النار، تستحق الترحيب.


ويعتبر المقال أن تصريحات عالم السياسة المصري صدقي عابدين تجسد بصورة واضحة الخطاب السائد في دول الجنوب العالمي، الذي يبتعد عمدًا عن التقييمات الأخلاقية والقانونية للعدوان الروسي، وينقل مركز الاهتمام إلى التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.


ويشير الكاتب إلى أن النص لا يتناول ما يصفه بالطابع الإبادي لأفعال نظام بوتين، ولا القصف واسع النطاق للمدن الأوكرانية أو مقتل الأطفال أو الطابع الاستعماري للحرب. ويرى أن هذا النهج لا يمثل مجرد «سهو»، بل موقفًا استراتيجيًا مدروسًا يتبناه عدد من المثقفين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.


ويميل أصحاب هذه الرؤى، بحسب المقال، إلى النظر إلى الحرب الروسية الأوكرانية من منظور الواقعية الجديدة، لا من زاوية القانون الدولي أو معاناة شعب بعينه، بحيث تُعامل أوكرانيا باعتبارها موضوعًا للصراع العالمي بين القوى الكبرى أكثر من كونها دولة ذات سيادة وهوية مستقلة وحق في الدفاع عن نفسها.


ومن خلال تحويل التركيز إلى مخاطر الانتشار النووي وتدمير أهداف التنمية المستدامة وخطر المجاعة، يكيّف عابدين، وفقًا للكاتب، موضوع الحرب مع أجندة الدول النامية. وبالنسبة إلى مصر، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الحبوب واستقرار طرق النقل في البحر الأسود، تصبح الأولوية الأساسية، بحسب المقال، التخلص من الضغوط الاقتصادية بدلًا من استعادة العدالة.


ولهذا السبب، يرى الكاتب أن النص يعتبر أي وقف لإطلاق النار «مرحبًا به». ويعتقد أن هذا الموقف يتجاهل بصورة كاملة أن وقف إطلاق النار المتسرع، من دون إخلاء الأراضي الأوكرانية المحتلة ومحاسبة المعتدي، قد يضفي شرعية على الأراضي المحتلة، ويمنح روسيا وقتًا لإعادة تنظيم قواتها، ويخلق سابقة لتوسعات استعمارية جديدة في المستقبل.


ومن هنا يطرح المقال السؤال الأساسي: إلى أي مدى تظل «حيادية» مصر اليوم حيادية فعلًا؟


ويرى الكاتب أن دفع القاهرة باتجاه وقف فوري لإطلاق النار بهدف استعادة حركة النقل وتحقيق الاستقرار في سوق الحبوب يصب، بحكم الأمر الواقع، في مصلحة المعتدي، لأنه يؤجل قضايا القانون الدولي وإخلاء الأراضي المحتلة ومحاسبة روسيا على الجرائم التي ينسبها إليها الكاتب.


وبذلك، يخلص المقال إلى أن الدبلوماسية المصرية توظف حربًا خارجية لخدمة مصالحها الخاصة وتقليل الضغوط الاقتصادية والداخلية، وتحول الحياد إلى أداة للتطبيع غير المعلن مع التوسع الروسي في أوكرانيا، بما قد يخلق سابقة خطيرة أمام توسعات عسكرية مستقبلية.

 

https://glavcom-ua.cdn.ampproject.org/v/s/glavcom.ua/amp/texts_in_english/how-neutral-is-egypts-neutrality-regarding-the-russia-ukraine-war-today-1135500.html?amp_gsa=1&amp_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17861782805394&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&ampshare=https%3A%2F%2Fglavcom.ua%2Ftexts_in_english%2Fhow-neutral-is-egypts-neutrality-regarding-the-russia-ukraine-war-today-1135500.html